سيد محمد طنطاوي
344
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ولا واللَّه ما مست يد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يد امرأة قط ، غير أنه بايعهن بالكلام . . وما مست كف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كف امرأة قط ، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن : « قد بايعتكن كلاما » « 1 » . والمعنى : * ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ ) * أي : مبايعات لك ، أو قاصدات مبايعتك ، ومعاهدتك على الطاعة لما تأمرهن به ، أو تنهاهن عنه . وأصل المبايعة : مقابلة شيء بشيء على سبيل المعاوضة . وسميت المعاهدة مبايعة ، تشبيها لها بها ، فإن الناس إذا التزموا قبول ما شرط عليهم من التكاليف الشرعية ، - طمعا في الثواب ، وخوفا من العقاب ، وضمن لهم صلى اللَّه عليه وسلم ذلك في مقابلة وفائهم بالعهد - صار كأن كل واحد منهم باع ما عنده في مقابل ما عند الآخر . والمقتضى لهذه المبايعة بعد الامتحان لهن ، أنهن دخلن في الإسلام ، بعد أن شرع اللَّه - تعالى - ما شرع من أحكام وآداب . . فكان من المناسب أن يأخذ النبي صلى اللَّه عليه وسلم عليهن العهود ، بأن يلتزمن بالتكاليف التي كلفهن اللَّه - تعالى - بها . ثم بين - سبحانه - ما تمت عليه المبايعة فقال : * ( عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئاً ) * أي : يبايعنك ويعاهدنك على عدم الإشراك باللَّه - تعالى - في أي أمر من الأمور التي تتعلق بالعقيدة أو بالعبادة أو بغيرهما . * ( ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ) * . أي ويبايعنك - أيضا - على عدم ارتكاب فاحشة السرقة ، أو فاحشة الزنا ، فإنهما من الكبائر التي نهى اللَّه - تعالى - عنها . * ( ولا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ ) * أي : ويبايعنك كذلك ، على عدم قتلهن لأولادهن . والمراد به هنا : النهى عن قتل البنات ، وكان ذلك في الجاهلية يقع تارة من الرجال ، وأخرى من النساء ، فكانت المرأة إذا حانت ولادتها حفرت حفرة ، فولدت بجانبها ، فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة ، وسوتها بالتراب ، وإذا ولدت غلاما أبقته . قال ابن كثير : وقوله * ( ولا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ ) * وهذا يشمل قتله بعد وجوده ، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق ، ويعم قتله وهو جنين ، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء ، تطرح نفسها لئلا تحبل ، إما لغرض فاسد ، أو ما أشبهه « 2 » .
--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 71 . وتفسير ابن كثير ج 8 ص 122 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 126 .